الأخبار
8/16/2012  
فی المدینة

 
فی المدینة

بدأت فترة إمامته الإلهیة سنة 183هـ.، وکانت دفّة الحکم السیاسىّ یومذاک تدار بید هارون الرّشید فـی بغداد. وکانت سیاسته قائمة على ممارسة القسر والإکراه، إذ کان عملاؤه یقهرون النّاس على دفع الضرائب، ویضطهدون الشیعة الفاطميّین وأبناءهم ویذبّحونهم، کما زجّوا نقیبهم وسيّدهم وعمیدهم الإمام موسى بن جعفر (علیه‎السلام) فـی سجون البصرة وبغداد سنوات عدیدة ثمّ قتلوه بالسمّ.
وهارون الرّشید هذا، إضافة إلى ظلمه وجوره الجنونـی، کان یبثّ أفکاراً غریبة مترجمة عن الفکر الغربـی فـی أوساط المسلمین العلمیة، لیتسنّى له عبر هذا العمل أن یوجّه أنظار النّاس إلى العلوم الأجنبيّة، ویجعل أهل البیت (علیهم السّلام) فـی عُزلة علميّة.
ولم یظهر الإمام الرّضا (علیه‎السلام) بإمامته فـی بدایة الأمر نظراً إلى الأجواء السیاسيّة السائدة بین المسلمین، وکانت صلته مقتصرة على أنصاره وشیعته دون غیرهم، لکنه اظهر بها فـی المدینة بعد مضی بضع سنین، منتهزاً الفرصة التـی أتیحت له، إذ أخذت حکومة هارون بالضّعف لوقوع الانتفاضات المختلفة، وتصدّى(علیه‎السلام) لرفع إشکالات الناس العقائديّة، وعلاج مشاکلهم الاجتماعيّة.
یقول (علیه‎السلام): «کنت أجلس فـی روضة جدّی رسول الله صلّى الله علیه وآله والعلماء متوافرون بالمدینة، فإذا أعیى الواحد منهم عن مسألة أشاروا إلی بأجمعهم وبعثوا إلـی المسائل فأجیب عنها».
أمّا هارون الرشید الذی توجّه نحو خراسان لإخماد الاضطرابات هناک، فقد وافته المنيّة فیها سنة 193هـ ودفن فـی سناباد بطوس فـی إحدى الغرف السفليّة من قصر والـی طوس «حمید بن قحطبة الطائی» وإثر وفاته نشب الخلاف بین ولدیه الأمین والمأمون، فتصدّر الأوّل مقام الحکم فـی بغداد، بینما تربّع الثانـی على العرش فـی مرو.
وظلّت نیران النزاع بین الأخوین متأجّجة طوال خمس سنوات، إلى أن شنّ جیش المأمون هجوماً على بغداد وفتک بالأمین سنة 198هـ، وهکذا خلا وجه الحکم کله للمأمون.
بید أنّ العلويّین والسّادة الذین ضاقوا ذرعاً بجور هارون وکانوا ساخطین على حکومة ولدیه أیضاً، ثاروا فـی کلّ من العراق، والحجاز، والیمن، مطالبین بأن یکون الحکم بأیدی آل محمّد (علیهم‎السلام)، فعقد المأمون العزم على دعوة سيّدهم الإمام علی بن موسى الرّضا (علیه‎السلام) إلى خراسان لیتمكّن من إخماد ثوراتهم، وتکون له مکانة فـی الجماهیر الشیعيّة الغفیرة، ویتظاهر من خلال وجود الإمام (علیه‎السلام) فـی بلاطه بأنّ حکومته تحظى بتأیید الإمام (علیه‎السلام). لهذا وجّه أکثر من دعوة إلى الإمام، لکنّه کان یواجه الرفض فـی کل مرّة، إلى أن أبدل الاستدعاء بالتهدید، فعلم الإمام الرضا (علیه‎السلام) أنّ المأمون لن یکفّ عنه، فشدّ الرحال نحو خراسان سنة 200هـ. حقناً لدماء شیعته وحرصاً منه على حرمتها.
زار الإمام(علیه‎السلام) قبر جدّه رسول الله (صلّى الله علیه وآله وسلّم) لیودّعه قبل مغادرته المدینة. فودّعه غیر مرّة، وفـی کلّ مرّة کان یعود إلى المرقد الطاهر رافعاً صوته بالبکاء. ثمّ ضمّ نجله الجواد (علیه‎السلام) إلیه وأخذه معه إلى المسجد وألصقه بجدار الحرم النّبوی الطاهر، وعوّذه بالرسول(صلى الله علیه وآله). ثمّ أمر جمیع نوّابه ووکلائه أن یأتمروا بأمره، ویتجنّبوا مخالفته، وأعلم أصحابه الثقات أنّه خلیفته من بعده.
الحؤول دون دخوله الکوفة‏
لقد خُطّط مسار هجرة الإمام(علیه‎السلام) من المدینة إلى خراسان على نحوٍ یحول دون أی ردّ فعل شیعی علوی محتمل، فعلى هذا الأساس مرّ موکب الإمام(علیه‎السلام) بالکوفة بعیداً عنها دون أن یدخلها.
هذا وقد اعتبر بعض الکتاب مثل الیعقوبـی، والبیهقی مسیر الإمام(علیه‎السلام) من بغداد إلى البصرة لکنّ هذا الرأی أو الاحتمال لا یحظى بمصداقيّة تذکر، إذ أنّه أوّلاً: عدّ أغلبيّة الکتّاب مرور الإمام بالقادسيّة قطعيّاً لا یرقى إلیه شكّ، وحسب هذا الافتراض فإنّنا لو أخذنا الشّرائط الجغرافيّة فـی الحسبان، لا یمکن أن تکون بغداد قد وقعت فـی مسیره (علیه‎السلام). ثانیاً: ورد فـی نقل البیهقی أنّ مبایعة طاهر ذی الیمینین للإمام فـی بغداد تمّت على ولایة عهده، وهذا ممّا لا أساس له من الصحّة، نظراً إلى حدوث قضیة الولایة بعد هذا السّفر فـی مرو. وفوق ذلک نقل بعض المؤرّخین توجّه الإمام(علیه‎السلام) نحو الکوفة، حیث یقول السيّد محسن أمین العاملی: «تفید بعض الروایات أنّ الإمام علی بن موسى الرضا(علیه‎السلام) ومرافقیه قدموا إلى الکوفة عبر البصرة» ویؤيّد العلاّمة المجلسی أیضاً توجّه الإمام إلى الکوفة. وربّما أرید بالسّفر إلى البصرة والکوفة فـی أخبار هؤلاء العظام، سفر آخر قام به الإمام قبل إشخاصه إلى خراسان.
صفحه: 1 2 3 4 5  
مشاهدة:1141
 
تعليقك

نظر شما
الاسم
البرید الإلکترونی
الموقع الإلکترونی
التعلیق
...