الأخبار
9/5/2016  
من وصایا الإمام الباقر (علیه السلام)

 
من وصایا الإمام الباقر (علیه السلام)

زوّد الإمام أبو جعفر (علیه السلام) تلمیذه العالم جابر بن یزید الجعفی بهذه الوصیة الخالدة الحافلة بجمیع القیم الکریمة والمثل العلیا التی یسمو بها الإنسان فیما لو طبقها على واقع حیاته، وهذا بعض ما جاء فیها:
(أوصیک بخمس: إن ظلمت فلا تظلم، وان خانوک فلا تخن، وان کذبت فلا تغضب، وان مدحت فلا تفرح، وان ذممت فلا تجزع، وفکّر فیما قیل فیک، فإن عرفت من نفسک ما قیل فیک فسقوطک من عین الله جلّ وعزّ عند غضبک من الحق أعظم علیک مصیبة مما خفت من سقوطک من أعین الناس، وإن کنت على خلاف ما قیل فیک، فثواب اکتسبته من غیر أن یتعب بدنک.
واعلم بأنک لا تکون لنا ولیاً حتى لو اجتمع علیک أهل مصرک، وقالوا: إنک رجل سوء لم یحزنک ذلک، ولو قالوا: إنک رجل صالح لم یسرک ذلک، ولکن اعرض نفسک على کتاب الله فإن کنت سالکاً سبیله، زاهداً فی تزهیده، راغباً فی ترغیبة، خائفاً من تخویفه فاثبت وأبشر، فإنه لا یضرک ما قیل فیک، وإن کنت مبائناً للقرآن، فماذا الذی یغرّک من نفسک.
إن المؤمن معنیّ بمجاهدة نفسه لیغلبها على هواها، فمرة یقیم إودها ویخالف هواها فی محبة الله، ومرة تصرعه نفسه فیتبع هواها فینعشه الله، فینتعش، ویقیل الله عثرته فیتذکر، ویفزع إلى التوبة والمخافة فیزداد بصیرة ومعرفة لما زید فیه من الخوف، وذلک بأن الله یقول: (إن الذین اتقوا إذا مسهم طائف من الشیطان تذکروا فإذا هم مبصرون)(1).
یا جابر، استکثر لنفسک من الله قلیل الرزق تخلصاً إلى الشکر، واستقلل من نفسک کثیر الطاعة لله إزراءاً على النفس(2) وتعرضاً للعفو.
وادفع عن نفسک حاضر الشر بحاضر العلم، واستعمل حاضر العلم بخالص العمل، وتحرّز فی خالص العمل من عظیم الغفلة بشدة التیقظ، واستجلب شدة التیقظ بصدق الخوف، وأحذر خفی التزین بحاضر الحیاة، وتوقّ مجازفة الهوى بدلالة العقل، وقف عند غلبة الهوى باسترشاد العلم، واستبق خالص الأعمال لیوم الجزاء.
وانزل ساحة القناعة باتقاء الحرص، وادفع عظیم الحرص بإیثار القناعة، واستجلب حلاوة الزهادة بقصر الأمل، واقطع أسباب الطمع ببرد الیأس.
وسد سبیل العجب بمعرفة النفس، وتخلص إلى راحة النفس بصحة التفویض ، واطلب راحة البدن بإجمام(3) القلب، وتخلّص إلى اجمام القلب بقلة الخطأ.
وتعرّض لرقة القلب بکثرة الذکر فی الخلوات، واستجلب نور القلب بدوام الحزن.
وتحرّز من إبلیس بالخوف الصادق، وإیاک والرجاء الکاذب فإنه یوقعک فی الخوف الصادق.
وتزیّن لله عزّ وجلّ بالصدق فی الأعمال، وتحبّب إلیه بتعجیل الانتقال. وإیاک والتسویف فإنه بحر یغرق فیه الهلکى.
وإیاک والغفلة ففیها تکون قساوة القلب، وإیاک والتوانی فیما لا عذر لک فیه فإلیه یلجأ النادمون.
واسترجع سالف الذنوب بشدة الندم، وکثرة الاستغفار.
وتعرض للرحمة وعفو الله بحسن المراجعة، واستعن على حسن المراجعة بخالص الدعاء ، والمناجاة فی الظلم.
وتخلّص إلى عظیم الشکر باستکثار قلیل الرزق ، واستقلال کثیر الطاعة.
واستجلب زیادة النعم بعظیم الشکر، والتوسل إلى عظیم الشکر بخوف زوال النعم.
واطلب بقاء العزّ بإماتة الطمع، وادفع ذل الطمع بعز الیأس ، واستجلب عزّ الیأس ببعد الهمة.
وتزود من الدنیا بقصر الأمل، وبادر بانتهاز البغیة عند إمکان الفرصة، ولا إمکان کالأیام الخالیة مع صحة الأبدان.
وإیاک والثقة بغیر المأمون فإن للشر ضراوة کضراوة الغذاء .
واعلم انه لا علم کطلب السلامة، ولا سلامة کسلامة القلب، ولا عقل کمخالفة الهوى، ولا خوف کخوف حاجز، ولا رجاء کرجاء معین.
ولا فقر کفقر القلب، ولا غنى کغنى النفس، ولا قوة کغلبة الهوى.
ولا نور کنور الیقین، ولا یقین کاستصغارک للدنیا، ولا معرفة کمعرفتک بنفسک.
ولا نعمة کالعافیة، ولا عافیة کمساعدة التوفیق، ولا شرف کبعد الهمة، ولا زهد کقصر الأمل، ولا حرص کالمنافسة فی الدرجات.
ولا عدل کالإنصاف، ولا تعدّی کالجور، ولا جور کموافقة الهوى، ولا طاعة کأداء الفرائض، ولا خوف کالحزن، ولا مصیبة کعدم العقل، ولا عدم عقل کقلّة الیقین، ولا قلّة یقین کفقد الخوف ولا فقد خوف کقلّة الحزن على فقد الخوف.
ولا مصیبة کاستهانتک بالذنب، ورضاک بالحالة التی أنت علیها.
ولا فضیلة کالجهاد ، ولا جهاد کمجاهدة الهوى، ولا قوة کردّ الغضب.
ولا معصیة کحب البقاء، ولا ذلّ کذلّ الطمع، وإیاک والتفریط عند إمکان الفرصة فإنه میدان یجری لأهله بالخسران...)(4).
وبهذا ینتهی بنا الحدیث عن بعض کلماته الحکیمة التی تمثّل أصالة الفکر والإبداع.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمین..

________________________________
1- سورة الأعراف: 201.
2- إزراءاً على النفس: أی احتقاراً واستخفافاً بها.
3- الجمام: ـ بالفتح ـ الراحة.
4- تحف العقول: 284 ـ 286 .
المصدر: موقع مؤسسة السبطین العالمیة
 
مشاهدة:262
 
تعليقك

نظر شما
الاسم
البرید الإلکترونی
الموقع الإلکترونی
التعلیق
...