الأخبار
8/6/2016  
شهادة الإمام الجواد علیه السلام

 
شهادة الإمام الجواد علیه السلام

أشخص المأمون أبا جعفر محمّد بن علی الجواد إلى بغداد بعد وفاة أبیه علی ابن موسى الرضا وزوجه بابنته أم الفضل، ثم رجع الى المدینة وهی معه فأقام بها، وکانت أم الفضل تحسد سمانة أم علی بن محمّد علیه السّلام، فکتبت الى أبیها المأمون من المدینة تشکو أبا جعفر وتقول: انه یتسرى علیَّ ویغیرنی الیها، فکتب الیها المأمون: یا بنیّة انّا لم نزوجک أبا جعفر لنحرم علیه حلالا فلا تعاودی لذکر ما ذکرت بعدها»(1).
أقام الإمام الجواد فی المدینة حتى توفی المأمون فی رجب سنة ثمان وعشرة ومائتین فی البدیدون، وحمل جثمانه الى طرسوس فدفن بها، وبویع المعتصم بن هارون فی الیوم الذی کانت فیه وفاة المأمون، وانصرف المعتصم الى بغداد فجعل یتفقد أحوال الإمام الجواد علیه السّلام، وکان المعتصم یعلم انحراف أم الفضل عنه وشدّة بغضها لابن الرضا. فکتب الى محمّد بن عبد الملک الزیّات أن ینفذ الیه محمّداً التقی وزوجته أم الفضل بنت المأمون، فأنفذ ابن الزیّات علی بن یقطین الیه فتجهّز وخرج من المدینة الى بغداد وحمل معه زوجته ابنت المأمون.
ویروى أنه لما خرج من المدینة خرج حاجّاً وابنه أبو الحسن علی فخلّفه فی المدینة وسلم الیه المواریث والسلاح ونصّ علیه بمشهد ثقاته واصحابه وانصرف الى العراق، فورد بغداد للیلتین بقیتا من المحرم سنة عشرین ومائتین فلما وصل الى بغداد أکرمه المعتصم وعظّمه.
روى العیّاشی عن زرقان صاحب ابن أبی دؤاد وصدیقه الحمیم قال: «رجع ابن أبی دؤاد ذات یوم من عند المعتصم وهو مغتم فقلت له فی ذلک فقال: وددت الیوم انی قد متّ منذ عشرین سنة، قال: قلت له: ولم ذاک؟ قال: لما کان من هذا الأسود أبی جعفر محمّد بن علی بن موسى الیوم بین یدی أمیرالمؤمنین المعتصم قال: قلت له: وکیف کان ذلک؟ قال: ان سارقاً أقرّ على نفسه بالسرقة، وسأل الخلیفة تطهیره بإقامة الحد علیه، فجمع لذلک الفقهاء فی مجلسه وقد أحضر محمّد ابن علی فسألنا عن القطع فی أی موضع یجب أن یقطع؟ قال: فقلت من الکرسوع(2) قال: وما الحجّة فی ذلک؟ قال: قلت لأن الید هی الأصابع والکف الى الکرسوع، لقول الله فی التیمّم: (فَامْسَحُواْ بِوُجُوهِکُمْ وَأَیْدِیکُمْ)(3) واتّفق معی على ذلک قوم. وقال آخرون: بل یجب القطع من المرفق، قال: وما الدلیل على ذلک؟ قالوا: لأن الله لما قال: (وَأَیْدِیَکُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ) فی الغسل دلّ ذلک على ان حد الید هو المرفق.
قال: فالتفت الى محمّد بن علی فقال: ما تقول فی هذا یا أبا جعفر؟ فقال: قد تکلم القوم فیه یا أمیرالمؤمنین، قال: دعنی ممّا تکلموا به أیّ شیء عندک؟ قال: اعفنی عن هذا یا أمیرالمؤمنین، قال: أقسمت علیک بالله لما أخبرت بما عندک فیه فقال: أما إذ أقسمت علیَّ بالله انی أقول: انهم أخطأوا فیه السنّة فان القطع یجب أن یکون من مفصل أصول الأصابع فیترک الکف، قال: وما الحجة فی ذلک؟ قال: قول رسول الله صلّى الله علیه وآله وسلّم: «السجود على سبعة أعضاء، الوجه والیدین والرکبتین والرجلین»، فإذا قطعت یده من الکرسوع أو المرفق لم یبق له ید یسجد علیها، وقال الله تبارک وتعالى: (وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ) یعنی به هذه الأعضاء السبعة التی یسجد علیها (فَلاَ تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَداً)(4) وما کان لله لم یقطع، قال: فأعجب المعتصم ذلک وأمر بقطع ید السارق من مفصل الأصابع دون الکف، قال ابن أبی دؤاد: قامت قیامتی وتمنیت انی لم أک حیّاً.
قال زرقان: ان ابن أبی دؤاد قال: صرت الى المعتصم بعد ثالثة، فقلت: ان نصیحة أمیرالمؤمنین علیّ واجبة وأنا أکلمه بما أعلم أنی ادخل به النار، قال: وما هو؟ قلت: اذا جمع أمیرالمؤمنین فی مجلسه فقهاء رعیته وعلماءهم لأمر واقع من أمور الدین، فسألهم عن الحکم فیه فأخبروه بما عندهم من الحکم فی ذلک وقد حضر المجلس أهل بیته وقوّاده وزراؤه وکتابه، وقد تسامع الناس بذلک من وراء بابه، ثم یترک أقاویلهم کلهم لقول رجل یقول شطر هذه الأمة بإمامته ویدّعون أنه أولى منه بمقامه، ثم یحکم بحکمه دون حکم الفقهاء، قال: فتغیر لونه وانتبه لما نبّهته له وقال: جزاک الله عن نصیحتک خیراً، قال: فأمر یوم الرابع فلاناً من کتاب وزرائه بأن یدعوه الى منزله فدعاه فأبى أن یجیبه وقال: قد علمت انی لا أحضر مجالسکم، فقال: انّی انّما أدعوک الى الطعام وأحبّ أن تطأ ثیابی وتدخل منزلی فأتبرک بذلک، وقد أحب فلان بن فلان من وزراء الخلیفة لقاءک فصار الیه فلما أطعم منها أحسّ السم فدعا بدابّته، فسأله رب المنزل أن یقیم قال: خروجی من دارک خیرٌ لک، فلم یزل یومه ذلک ولیله فی خلفه حتى قبض صلّى الله علیه»(5).
قال المسعودی: «لما انصرف أبو جعفر الى العراق لم یزل المعتصم وجعفر بن المأمون یدبّرون ویعملون الحیلة فی قتله، فقال جعفر لأخته أم الفضل ـ وکانت لأمه وأبیه ـ فی ذلک لأنه وقف على انحرافها عنه وغیرتها علیه لتفضیله أم أبی الحسن ابنه علیها مع شدّة محبتها له ولأنها لم ترزق منه ولداً، فأجابت أخاها جعفراً وجعلوا سمّاً فی شیء من عنب رازقی ـ وکان یعجبه العنب الرازقی ـ فلما أکل منه ندمت وجعلت تبکی فقال لها: ما بکاؤک؟ والله لیضربنّک الله بفقر لا ینجبر وبلاء لا ینستر، فبلیت بعلّة فی أغمض المواضع من جوارحها صارت ناسوراً ینتقض فی کل وقت ، فانفقت مالها وجمیع ملکها على تلک العلّة حتّى احتاجت الى رفد الناس. ویروى أن الناسور کان فی فرجها. وتردى جعفر فی بئر فأخرج میتاً وکان سکران»(6).
قال ابن الصبّاغ: «ودخلت امرأته أم الفضل الى قصر المعتصم فجعلت مع الحرم وکان لها من العمر خمس وعشرون سنة وأشهر وکانت مدّة امامته سبعة عشر سنة أولها فی بقیة ملک المأمون وآخرها فی ملک المعتصم، ویقال: انه مات مسموماً»(7).
قال الشبلنجی: «یقال: ان أم الفضل بنت المأمون سقته بأمر أبیها»(8).
وروی أنه «أنفذ المعتصم أشناس ـ أحد عبیده ـ بالتحف الیه والى أم الفضل ثم أنفذ الیه شراب حماض الأترج تحت ختمه على یدی أشناس وقال: ان أمیرالمؤمنین ذاقه ویأمرک أن تشرب منها بماء الثلج وصنع فی الحال، فقال علیه السّلام: أشربها باللیل، وکان صائماً، قال: انما ینفع بارداً وقد ذاب الثلج، وأصرّ على ذلک، فشربها عالماً بفعلهم عند الافطار، وکان فیها سم»(9).

(1) المناقب لابن شهر آشوب ج4 ص382.
(2) الکرسوع: طرف الزند الذی یلی الخنصر.
(3) سورة المائدة: 6.
(4) سورة الجنّ: 18.
(5) تفسیر العیاشی ج1 ص319.
(6) اثبات الوصیة ص219 وانظر دلائل الامامة ص209.
(7) الفصول المهمة ص276.
(8) نور الأبصار ص191.
(9) المناقب لابن شهر آشوب ج4 ص384 ورواها صاحب المجالس السنیة ج2 ص634.
المصدر: http://www.al-milani.com/library/lib-pg.php?booid=21&mid=279&pgid=2810
 
مشاهدة:132
 
تعليقك

نظر شما
الاسم
البرید الإلکترونی
الموقع الإلکترونی
التعلیق
...