الأخبار
8/6/2016  
الإمام الجواد (علیه السلام).. إمام الشباب

 
الإمام الجواد (علیه السلام).. إمام الشباب

غصن ندی من تلک الشجرة المبارکة الطیبة.. التی تؤتی أکلها کل حین بإذن ربها..
فرع طیب من أصل طیب.. طابوا وطهروا من کل دنس ورجس وعیب - وحاشاهم العیب - فهم أصل الطیب فی هذا الوجود الرحیب..
فرع رسالی من فروع المحمدیة الخاتمة.. والتی شاءت الأقدار أن یکونوا اثنی عشر فرعاً مبارکاً.. بتقدیر وتعیین من خلق الأکوان، مغیر الألوان مبدل الأحوال، الله ذی الجلال.
لأن الإمامة واجب من الرسالة.. باعتبار أن هذه الوصیة واجبة عقلاً ونقلاً وذلک لأن فیها المصلحة کل المصلحة.. وترکها یعنی المفسدة کل المفسدة للدین والدنیا..
فی ذلک البیت الذی ملؤه العزة والإباء.. والشوق للأبناء.. فی بیت الإمام علی بن موسى الرضا (علیه السلام) الذی انتظر هذا المولود المبارک طوال خمس وخمسین سنة من عمره الشریف، کانت ولادة هذا النجم اللامع.. إمام الشباب.. فی مدینة الرسول (صلى الله علیه وآله) المنورة عاصمة الإسلام الأولى.. برق نور محیاه الساطع..
وکانت ولادته (علیه السلام) فی یوم الجمعة العاشر من شهر أمیر المؤمنین (علیه السلام) رجب المرجب من العام 195هـ. فتلقى الإمام الرضا (علیه السلام) ولیده المبارک وهو یعلم ما شأنه ومکانته عند الله.. وعنده، فهو الخلیفة والوصی وإمام الأمة من بعده.
فتلقاه بیدیه المبارکتین فأذّن فی أذنه الیمنى وأقام فی الیسرى وأعاذه بالمعوذتین من الشیطان اللعین الرجیم.. وعظمه بالصمدیة الشریفة.. وراح ینظر إلیه بحب وودّ وأخلاق الأنبیاء.. وکأنه یقرأ الغیب ویقول: ماذا سیحل بک یا بنی؟! وما أعظم مهمتک؟!
فقد کان الإمام محمد الجواد (علیه السلام) نحیل الجسم، قوی العصب.. وأثر الوراثة من أمه (خیزران) التی هی من أهل وادی النیل (بمصر) واضح علیه.. لأنه کان أسمر شدید السمرة.. آدم. إلا أنه (علیه السلام) کان طلق المحیا.. باسم الثغر، نور النبوة والولایة یلمع بین عینیه، وسیماء الرسالة تنبئ عنه أنه من أولاد الأنبیاء..
فما من أحد رآه إلا أجله وعظمه، کائناً من کان، لأن هیبته من الله عز وجل ولیس من موقع سیاسی أو اجتماعی أو غیر ذلک.. فإن العزیز من اعتز بالله فأعزه الله والجلیل من کان جلاله من ذی الجلال والإکرام والفضل والأنعام تبارک الله.
وهکذا راح ینمو الإمام محمد الجواد (علیه السلام) وتحوطه رعایتان.
رعایة ربانیة وفیوض رحمانیة. لأن الله سیوکل إلیه دوراً عما قریباً وما زال حدث السن طری الزند.. وأی دور أعظم من قیادة الأمة الإسلامیة کلها إلى النور فیکون إماماً مفترض الطاعة.
ورعایة بشریة إمامیة أبویة. وهی رعایة الوالد العظیم الإمام علی بن موسى الرضا (علیه السلام) وأکرم به وأنعم. من أب ومعلم لهذا الفتى المبارک.
وفی ظل تلک الرعایة المکثفة درج الإمام الجواد (علیه السلام) فملائکة الرحمن تحفظه من کل سوء وترعاه من کل نائبة. وأبوه الإمام الرضا (علیه السلام) یعلمه کل فضیلة، ویلقنه کل علم یحتاجه. أو تحتاجه الأمة الإسلامیة. ویؤدبه بآداب جده رسول الله (صلى الله علیه وآله) الذی أدبه ربه فأحسن تأدیبه. وذلک لأنه من الأئمة المعصومین (علیهم السلام).
وقد کان بعض ضعاف الإیمان طعنوا بإمامة الإمام الرضا (علیه السلام) لأنه لم یُرزق بولد حتى سن متأخرة من عمره الشریف المبارک، فکانوا یقولون: کیف یکون علی بن موسى إماماً ولم یعقب، وقد روینا أن عدة الأئمة اثنا عشر، وهذا هو الثامن منهم فأین من سیحمل الإمامة من بعده؟! ومن هنا نشأت فرقة (الواقفة) التی وقفت على إمامة الإمام الکاظم (علیه السلام) ولم تؤمن بإمامة وصیه الرضا (صلوات الله علیه).
والواقع أن ذلک کان اختباراً إلهیاً للناس، حتى یمیز الله تعالى المؤمن من المنافق. لقد کان الإمام الرضا (علیه السلام) یؤکد أنه سیرزق بولد اسمه محمد وأن الله تعالى سیقرّ عینه به وإن طال الزمان، إلا أن المرتابین لم یصدقوا. وسرعان ما حبطت أعمالهم بعدما ولد هذا القمر المنیر فی حضرة أبیه وکان قد تجاوز عمره خمسین سنة. فبهت الذین کفروا!
وولد الإمام الجواد (علیه السلام) - وهو إمام الشباب لأنه تسنم مقالید الإمامة وهو فی الثامنة من عمره الشریف - فی مرحلة غایة فی التوتر والحساسیة والقلق من حیث الزمان ومن حیث المکان ومن حیث الشرائط.
ففی بدایة حیاته الشریفة کان القتال العائلی العباسی حیث قتل عبد الله المأمون أخاه الأمین واستولى على السلطة والحکم فی الدولة الإسلامیة. وأریقت دماء، وکانت بلابل ومشاکل کادت أن تطیح بالدولة العباسیة من أساسها. وبذلک نقلت عاصمة الدولة إلى خارج المنطقة العربیة. ولأول مرة بحیث نقلت من بغداد إلى (مرو) فی بلاد خراسان - إیران حالیاً - إلا أنها أعیدت إلى بغداد بعد استقرار الحکم للمأمون العباسی.
فبعد العاصفة لابد من الهدوء النسبی. وبعد القتال لابد من لملمة الجراح ودفن القتلى. والذی یقتل أخاه من أجل الحکم فإنه على استعداد على أن لا یبقی ولا یذر فالملک عقیم کما زعموا.
والقتال بین الأقارب صعب، وبین الأخوة مستعصب. لأن الجراح تکون فی النفس والقلب بین القاتل والمقتول. وقیل إن هذا ما سبب نقمة العائلة العباسیة على عبد الله المأمون، حیث قتل أخاه الأمین وقطع رأسه وعلقه على باب القصر وأمر المارین بالتفل علیه وشتمه بقوله: (لعنک الله ووالدیک) فقال المأمون: کفانا ذلک، أنزلوه.
وکأنه استفاق من غفلته بهذه اللعنة وتذکر أن هذا المعلق هو أخوه.
ومنهم من أرجع سبب تقریب الإمام علی الرضا والإمام محمد الجواد (علیهما السلام) وهما عمدة البیت العلوی من قبل المأمون العباسی هو نکایة بالعباسیین.
فقالوا إنه راح یقرب العلویین لیکونوا له عوناً وسنداً ویداً عوضاً من أولئک الخونة - بنظره - لأنهم وقفوا إلى جانب الأمین قبل ذلک.
إلا أنه عند التحقیق لم یکن کذلک فإن المأمون العباسی کان ذکیاً ومثقفاً بالنسبة إلى سائر العباسیین وکان أعلمهم بالأمور وبکیفیة السیطرة على الحکم، وقد عرف أن الناس قد استاءوا من سلطان العباسیین ومن کثرة ظلمهم ومالوا إلى بنی علی (علیهم السلام) وعرفوا بعض منزلتهم، فأراد المأمون أن یمتص هذه الظاهرة لصالحه فاستدعى الإمام (علیه السلام) حتى یکون تحت نظره المباشر، ویصور للناس بأنه محب للإمام (علیه السلام). ومن هنا رفض الإمام حتى أجبر على القبول، فوضع عبد الله المأمون ولایة العهد فی عنق الإمام علی الرضا (علیه السلام).
وعندما استتب له الوضع وهدأت النفوس وقوی سلطانه من جدید. احتال على قتل ولی عهده الإمام الرضا (علیه السلام) فدس إلیه السم حتى قضى نحبه مسوماً شهیداً غریباً.
ومن أهم ما عمله الإمام الرضا (علیه السلام) أنه لم یعط أی تأیید للحکومة العباسیة ولا منحها أیة شرعیة فی ذلک، فلم ینصب أحداً ولم یعزل، ولم. ولم.
وهکذا کان الأمر بالنسبة إلى الإمام الجواد (علیه السلام) أیضاً.
فالمأمون العباسی من خبثه ودهائه ومعرفته بمقام الإمام (علیه السلام) وعظمته وشرفه ومکانته عند الناس، استدعاه من المدینة المنورة إلى عاصمته بغداد لیکون قریباً من الحاکم وتحت نظره المباشر.
إلا أن المأمون العباسی شغف - مکراً وخدعاً - بالإمام الجواد (علیه السلام)، لما رأى من فضله ونبله وعلمه مع صغر سنه. وبلوغه فی العلم والحکمة والأدب وکمال العقل ما لم یساویه فیه أحد من أهل ذلک الزمان. فقربه وزوّجه بابنته المدللة (أم الفضل زینب) وکان له من المعارضة العباسیة بهذا الشأن قصص، لأنهم ما کانوا یعرفون سوء قصد المأمون فی ذلک.
وبقی الإمام محمد الجواد (علیه السلام) فی بغداد مدة غیر قلیلة. إلا أنه (علیه السلام) لم یکن یرضیه التنعّم فی القصور العباسیة تارکاً أمور شیعته خاصة. والأمة الإسلامیة عامة الدینیة والدنیویة وراء ظهره. فإنه (علیه السلام) ما کان لیقیم فی بغداد لولا الضغوط الشدیدة علیه. وهذا واضح من روایة أحدهم حین یقول:
دخلت علیه (علیه السلام) فی بغداد ففکرت فیما هو به من نِعَم. وقلت فی نفسی: إن هذا الرجل لا یرجع إلى موطنه أبداً. فأطرق رأسه ثم رفعه وقد اصفر لونه فقال:
یا حسین خبز الشعیر وملح جریش فی حرم رسول الله (صلى الله علیه وآله) أحب إلی مما ترانی فیه.
وما أن لاحت الفرصة للإمام الجواد (علیه السلام) حتى یستأذن عبد الله المأمون بالعودة إلى مدینة جده رسول الله (صلى الله علیه وآله) فوافقه على ذلک وودعه وداعاً حاراً مع ابنته أم الفضل (زینب).
ومر الإمام (علیه السلام) بالکوفة وغیرها واستقبل فی کل بلدة یمر بها أجمل استقبال. وهکذا إلى أن وصل إلى حرم جده رسول الله (صلى الله علیه وآله) فأقام فیها عاملاً عالماً، مجاهداً، معززاً، مکرماً.
وتوفی المأمون بشهر رجب سنة 218 للهجرة بقریة طرسوس على الحدود الفاصلة بین الدولة الإسلامیة والدولة الرومانیة. ودفن هناک بعد أن أوصى إلى أخیه (المعتصم) بتصدی الحکومة، وأخذ المعتصم یوطد حکمه. ویرتب أمور دولته بما یضمن قوتها. وکان الهاجس الوحید المرعب هو الإمام محمد بن علی (علیهما السلام) فهو الخطر الحقیقی له ولدولته.
فهو صهر الحاکم الراحل. وسید أهل البیت العلوی. وإمام الشیعة وقد أصبحوا قوة جبارة معلنة الولاء للإمام (علیه السلام) على رؤوس الأشهاد. إذاً قد یشکل خطراً على المستقبل بل وربما على الحاضر أیضاً.
فأحضره مرة أخرى من المدینة المنورة إلى عاصمته بغداد لیکون تحت أنظار الحاکم العباسی مباشرة. ومراقبته الشخصیة له ولتحرکاته کافة.
وکان ذلک فی 28 محرم عام 220هـ وبقی فیها إلى أن دس المعتصم السم إلیه فوافاه الأجل الذی لا راد له، شهیداً مسموماً.
وسبب ذلک هو حقد المعتصم العباسی تجاه الإمام (علیه السلام) کما عمل المعتصم بنصیحة قاضی قضاته (ابن أبی داود) حیث نصحه بأن یتخلص من الإمام الجواد (علیه السلام) لأنه أفحمه وأفحم جمیع الفقهاء - المثقفین - فی قضیة سرقة. وحکم القطع، فی قصة مفصلة رواها العیاشی وغیره.
فأمر المعتصم العباسی أحد وزرائه أن یدعو الإمام إلى منزله ویدس إلیه السم. وکذلک فعل وبئس ما فعل علیه اللعنة.
ولما أکمل الإمام الجواد (علیه السلام) أحس بالسم یسری فی جسده النحیل. فاستدعى راحلته وخرج من المنزل اللعین وهو یقول إشفاقاً علیه:
خروجی من منزلک خیر لک.
وانتقل إلى الرفیق الأعلی من تلک اللیلة راضیاً مرضیاً، مسموماً مظلوماً مقتولاً شهیداً. وکان ذلک فی تاریخ 5 أو 29 ذی الحجة عام 220 للهجرة، راضیاً مرضیاً طاهراً مطهراً. وجهز ودفن إلى جوار جده الإمام موسى بن جعفر (علیهما السلام) فی ضاحیة بغداد المسماة بالکاظمیة. روحی لها الفداء من أرض ما أطهرها. والسلام على من دفن فیها.
.. إمام حق هذا جزاؤک بعد کل ما قدمت، إنک لم ترُمْ لهم إلا الخیر، ولم یبغوا لک إلا الشر، فسقیاً لک ورعیاً، وتعساً لهم وویلاً.
غدرٌ والله. ومکرٌ والله أن یطعموک السم وأنت فی ربیع أیامک ولکن لک فی الأولین من آبائک أسوة حسنة. ولهم فی الأولین من آبائهم أسوة سیئة.. فعلیک السلام. وعلیهم اللعنة والعذاب.
المصدر: موقع مؤسسة السبطین العالمیة
 
مشاهدة:131
 
تعليقك

نظر شما
الاسم
البرید الإلکترونی
الموقع الإلکترونی
التعلیق
...