الأخبار
8/5/2016  
مناظرته علیه السلام حول عصمة الأنبیاء علیهم السلام

 
مناظرته علیه السلام حول عصمة الأنبیاء علیهم السلام

یعتقد أئمّة أهل البیت علیهم السلام أنّ الأنبیاء صلّى الله علیهم معصومون ، بمعنى عدم اقترافهم جریمة ولا ذنب ولا خطیئة حتّى الغلط والخطأ والسهو والغفلة والنسیان. ومعصومون کذلک عن کلّ ما ینفی الحشمة والکرامة منذ ولادتهم وإلى وفاتهم. والشیعة الإمامیّة یقولون بعصمة الأنبیاء قبل البعثة وبعدها ، ویستدلّون على وجوب عصمتهم بأدلّة عقلیّة عدیدة.
ولما کان بعض المسلمین یجوّز صغائر الذنوب على الأنبیاء ، کالمعتزلة ، والبعض الآخر کالأشعریّة والحشویّة یُجوز ارتکابهم الکبائر فضلاً عن الصغائر ، إلّا الکفر والکذب ، ویستدلّون على ذلک بظواهر بعض الآیات القرآنیّة.
وجد أئمّة أهل البیت علیهم السلام أن هذا الفهم یتصادم مع العقل ولا یلیق بمکانة الأنبیاء علیهم السلام ومنزلتهم ، ویترک آثاراً سلبیّة على العقیدة الإسلامیّة ، فقاموا ، وهم تراجم القرآن ، ببیان شافٍ لجمیع الآیات التی یظهر منها نسبة الخطأ أو المعصیة للأنبیاء علیهم الصلاة والسلام ، وقد قام إمامنا الرضا علیه السلام بإماطة الستار عن المعانی القرآنیّة الحقیقیّة التی تتحدّث عن الأنبیاء والرُّسل ، وبدّد ضباب الغبش والتشویش وسوء الفهم الذی حجب دلالاتها. عن أبی الصلت الهروی قال : لما جمع المأمون لعلی بن موسى الرضا علیه السلام أهل المقالات ، فلم یقم أحد إلّا وقد ألزمه حجّته کأنه أُلقم حجراً ، قام إلیه علی بن محمّد بن الجهم ، فقال له : یابن رسول الله أتقول بعصمة الأنبیاء ؟
قال : « نعم ».
قال : فما تعمل فی قول الله عزّ وجلّ : ( وَعَصَىٰ آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَىٰ ) (1) وفی قوله عزّ وجلّ : ( وَذَا النُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَیْهِ ) (2) وفی قوله عزّ وجلّ فی یوسف علیه السلام : ( وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا ) (3) وفی قوله عزّ وجلّ فی داود علیه السلام : ( وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ ) (4) وقوله تعالى فی نبیّه محمّد صلّى الله علیه وآله وسلّم : ( وَتُخْفِی فِی نَفْسِکَ مَا الله مُبْدِیهِ ) ؟ (5).
فقال الرضا علیه السلام : « ویحک یا علی ، اتّقِ الله ولا تنسب إلى أنبیاء الله الفواحش ، ولا تتأوّل کتاب الله برأیک ، فإنّ الله عزّ وجلّ قال : ( وَمَا یَعْلَمُ تَأْوِیلَهُ إِلَّا اللهُ وَالرَّاسِخُونَ فِی الْعِلْمِ ) (6).
وأمّا قوله عزّ وجلّ فی آدم علیه السلام : ( وَعَصَىٰ آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَىٰ ) فإنّ الله عزّ وجلّ خلق آدم حجّة فی أرضه وخلیفته فی بلاده لم یخلقه للجنّة وکانت المعصیة من آدم فی الجنّة لا فی الأرض وعصمته یجب أن تکون فی الأرض لیتمّ مقادیر أمر الله ، فلمّا أهبط إلى الأرض وجعل حجّة وخلیفة عُصم بقوله عزّ وجلّ : ( إِنَّ اللهَ اصْطَفَىٰ آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِیمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِینَ ) (7) » (8).
وعلى هذا السیاق أجاب علیه السلام عن التهمة الشنیعة التی نسبت إلى داود علیه السلام من أنّه اطلع فی دار قائده « أوریا » فعشق امرأته فقدّمه أمام التابوت فی المعرکة فقُتِل وتزوّج بامرأته ! فنسبوا داود علیه السلام ـ زوراً وبهتاناً ـ إلى الفاحشة ثمّ القتل.
کما کشف عن سبب إخفاء النبی صلّى الله علیه وآله وسلّم ما بنفسه من أمر زواجه بزینب بنت جحش فقد أطلعه الله تعالى على أسماء أزواجه فوجد اسم زینب مع أسمائهنّ وکانت تحت زید بن حارثة فخشی النبی صلّى الله علیه وآله وسلّم من المنافقین إن أخبر عن ذلک ، فعاتبه تعالى بقوله : ( وَتَخْشَى النَّاسَ وَالله أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ ) (9). ولیس فی هذا ذنب أو ارتکاب معصیة.
ومن المناسب التذکیر بأنّ أحادیث أئمّة أهل البیت علیهم السلام فی تنزیه الأنبیاء کثیرة مبثوثة فی کتب الحدیث والتفسیر ، ومنها استقى السیّد الشریف المرتضى ردوده فی کتابه « تنزیه الأنبیاء ».
وفی روایة أخرى أجاب الإمام علیه السلام على سؤال علق بذهن المأمون حول طلب موسى علیه السلام من ربّه الرؤیة ، مع علمه باستحالة رؤیته تعالى بالأبصار ؟! ، فقال الرِّضا علیه السلام : « إنَّ کلیمَ الله موسى بن عمران علیه السلام عَلِمَ أنَّ الله تعالى عن أن یُرى بالأبصار ، ولکنّه لمّا کلَّمه عزَّ وجلَّ وقرَّبه نجیّاً رجع إلى قومه فأخبرهم أنَّ اللّه عزَّ وجلَّ کلَّمه وقرَّبه وناجاه ، فقالوا : لن نؤمن لک حتّى سمع کلامهُ کما سمعت .. فاختار منهم سبعین رجلاً لمیقات ربِّه ، فخرج بهم إلى طور سیناء ، فأقامهم فی سفح الجبل ، وصعد موسى علیه السلام إلى الطُّور وسأل اللّه تبارک وتعالى أن یُکلّمه ویُسمعهم کلامه ، فکلَّمه اللّه تعالى ذکره وسمعوا من فوقٍ وأَسفلَ ویمینٍ وشمالٍ ووراءٍ وأمام ، لأنّ الله عزَّ وجلَّ أحدثهُ فی الشَّجرةِ ، ثمّ جعلهُ منبعثاً منها حتّى سمعوه من جمیع الوجوه.
فقالوا : لن نؤمنَ لکَ بأَنَّ هذا الَّذی سمعناه کلام الله حتّى نرى الله جهرةً !! فلمّا قالوا هذا القول العظیم واستکبروا وعتوا ، بعث الله عزَّ وجلَّ علیهم صاعقةً فأخذتهم بظُلمهم فماتوا ، فقال موسى : یا ربِّ ما أقولُ لبنی إسرائیلَ إذا رجعتُ إلیهم وقالوا : إنَّک ذهبت بهم فقتلتهم لأنَّکَ لم تکن صادقاً فیما ادَّعیت من مناجاة الله إیّاک ؟ فأحیاهم الله وبعثهم معه ، فقالوا : إنّک لو سألت الله أن یُریک أن تنظرَ إلیه لأجابک وکنت تُخبرنا کیف هو فنعرفهُ حقَّ معرفته. فقال موسى علیه السلام : یا قوم إنَّ الله لا یُرى بالأبصار ولا کیفیَّة له ، وإنَّما یُعرفُ بآیاته ویُعلم بأعلامه ، فقالوا : لن نؤمن لک حتّى تسألهُ ، فقال موسى علیه السلام : یا ربِّ إنّک قد سمعت مقالة بنی إسرائیل وأنت أعلم بصلاحهم ، فأوحى الله جلَّ جلاله إلیه : یا موسى اسألنی ما سألوک فلن أؤاخِذکَ بجهلهم ، فعند ذلک قال موسى علیه السلام : ( رَبِّ أَرِنِی أَنظُرْ إِلَیْکَ قَالَ لَن تَرَانِی وَلَـٰکِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَکَانَهُ ) وهو یهوی ( فَسَوْفَ تَرَانِی فَلَمَّا تَجَلَّىٰ رَبُّهُ لِلْجَبَلِ ) بآیةٍ من آیاته ( جَعَلَهُ دَکًّا وَخَرَّ مُوسَىٰ صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَکَ تُبْتُ إِلَیْکَ ) یقولُ : رجعتُ إلى معرفتی بک عن جهلِ قومی ( وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِینَ ) (10) منهم بأنّک لا تُرى » ، فقال المأمون : للّه دَرُّک یا أبا الحسن (11).
الهوامش
1. سورة طه : ٢٠ / ١٢١.
2. سورة الأنبیاء : ٢١ / ٨٧.
3. سورة یوسف : ١٢ / ٢٤.
4. سورة ص : ٣٨ / ٢٤.
5. سورة الأحزاب : ٣٣ / ٣٧.
6. سورة آل عمران : ٣ / ٧.
7. سورة آل عمران : ٣ / ٣٣.
8. عیون أخبار الرضا علیه السلام ١ : ١٩١ / ١ باب (١٤).
9. سورة الأحزاب : ٣٣ / ٣٧.
10. سورة الأعراف : ٧ / ١٤٣.
11. کتاب التوحید ، الصّدوق : ١٢١ ، ح ٢٤ ، باب (٨).
مقتبس من کتاب : [ الإمام الرضا علیه السلام سیرة وتاریخ ] ، الصفحة : 103 إلى 107
عباس الذهبی
 
مشاهدة:72
 
تعليقك

نظر شما
الاسم
البرید الإلکترونی
الموقع الإلکترونی
التعلیق
...